لمن يعترض على دعوى البحث في المنشور وعدم تقديس المأثور – د. نزار اسماعيل

لقد كرم الله بني آدم بالعقل القادر على التفكر والتدبر والمقارنة والمراجعة وهو واجب على كل إنسان يبحث عن الحقيقة حتى قيام الساعة. فإذا أردنا الإعتراض بإبداء رأي مخالف لفكر الآخر لابد من ذكر نقاط معينة تعارض هذا الفكر وتناقشه وتذكر أدلة من القرآن الكريم على عدم صحتها أو خطأها ولا يكون الحوار بمقالات إنشائية جدلية مرسلة بدون أدلة علمية منهجية تواجه كل نقطة على حدة بفكر مقابل لها. فالإعتراض على التفكر بالبحث والتمحيص والمراجعة بحجة إثارة البلبلة لهو من اسباب البلبلة والفتن التي لم تتوقف منذ الفتنة الكبرى لبعض الأسباب التالية

1 : لا يوجد في الإسلام نص مقدس إلا القرآن الكريم والسبب لتقديسه أنه كلام الله عز وجل الذي حفظه لنا من التحريف. وكل يوم نكتشف في هذا النص من المعجزات التي تؤكد أنه كلام الخالق العظيم بلا تبديل ولا تغيير ولا تحريف.

2 : ذكر الله عز وجل أنه لم يفرط في الكتاب من شيء ولذلك هو الكتاب والمرجعية لكل أمر ونهي وتحليل وتحريم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض أي تجسيد بشري لكتاب الله وقدوة لكل المسلمين إلى قيام الساعة. ولذلك لا يمكن لمسلم أن يرفض السنة النبوية المنقولة بالكامل أو قول منسوب لرسول الله عليه الصلاة والسلام إذا ثبت توافقه مع نصوص القرآن ومقاصده. وبذلك فإن القرآن الكريم هو المرجعية الوحيدة  للتأكد من أنه قال أو فعل ما نسب إليه.  فلا يوجد أي خطر من إعادة التمحيص في أي عصر كان ولا يوجد ضابط أو مرجعية لكل هذا إلا كتاب الله القرآن الكريم. ولهذا لا يصح رفع أي نص مهما كان منسوبا لنبي أو صحابي أو ولي أو فقيه أو عالم فوق كتاب الله ولا يجوز إدعاء تحليل أو تحريم أو حدود لم يذكرها الله عز وجل في القرآن الكريم لأنه كما قلنا سابقا لم يفرط الله في الكتاب من شيء.

3 : لم يذكر الله عز وجل اسم أحد من الناس في القرآن الكريم إلا بعض الأنبياء وبعض الظلمة والطغاة والجبارين. بالتالي لم يأمرنا الله عز وجل باتباع أحد من خلقه إلا  سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم –لأن القرآن الذي أوحى الله عز وجل إليه باق إلى قيام الساعة واتباعه باتباع القرآن الكريم – الذي كما قلنا سابقا – حفظه الله من التحريف.

4 : لا يوجد أي دليل علمي على أن ما تم نقله عن أي شخص في التاريخ الإسلامي لم يحرف أو يدس فيه أو يحذف منه ( مثلا: مخطوطات صحيح الترمذي الأصلية المحفوظة في ألمانيا والولايات المتحدة بها أكثر من 50 ألف حديث بالمقارنة مع النسخ التي تباع في العالم التي بها حوالي 22 ألف حديث فقط)

5: من يرفض إعادة التفكر والبحث في كل منقول وينادي بتوقف الإجتهاد وعبادة النصوص السلفية أيا كانت فهو مناف للمنهج الرباني الذي أمر بالتفكر وعدم الإتباع الأعمى للأولين. فلا يعرف أحد من الأحياء البخاري أو مسلم أو فقهاء وعلماء السلف معرفة شخصية. وبحسبانهم من المخلصين فكان عملهم هذا لله عز وجل وأجرهم عليه تعالى وليس لمديحهم ولا تقديسهم ولا نعتهم بالأفذاذ والعباقرة والملهمين ولا ضمان لعدم خطأهم لأنهم بشر وبالتالي نأخذ منهم ونرد.  ومن الواضح الجلي أننا لم  ننادِ مطلقا برفض ما جاء في كتبهم سواء كتب الحديث أو كتب الفقه ولكن الدعوة واضحة لتصحيح إما أخطائهم أو تطهير كتبهم مما تم دسه فيهم أو تحريف ما كتبوه. ففي الكتب التاريخية المأثورة قيل أنه تم قتل النسائي في بيت المقدس وقيل أنه بسبب أنه لم يمتدح معاوية بن أبي سفيان عندما أمره زبانية السلطان. ولقد مات أبو حنيفة سجينا بأمر من الحاكم وغيره من الفقهاء والعلماء. أليس من يفعل ذلك لا يتورع عن تحريف الكتب ودس ما ليس فيها وحذف مايريد وينطبق هذا على كل الكتب المأثورة ؟ فإذا طالبنا بمراجعة كل المأثور فأين الجريمة في هذا مادام الضابط والمرجعية هي القرآن الكريم وليس ضابطا ومرجعية هوائية مزاجية

6 :  من قمة السذاجة افتراض بأن الأولين كانوا من الخوارق ولا يمكن لأحد أن يضيف بالبحث والعلم فعطاء الله عز وجل ليس محظورا بل التقنيات الحديثة بفضل الله تمكن الدارس من الوصول لعلوم لم تكن متاحة لكل هؤلاء مجتمعين والأجدر بنا الآن تصحيح هذه الموروثات التي تم دس الكثير فيها وحذف الكثير منها. وبالتالي فهناك أخطاء من هؤلاء ثم تم الدس والحذف والتحريف باسمهم في كتبهم.

7 : إن إهمال هذه القضايا الخطيرة المأثورة هو سبب البلبلة وانقسام المسلمين إلى طوائف ومذاهب.  لقد  نشرت بعض الأسباب  الخطيرة لتداعيات ما هو منقول متمثلا في كتاب سيد سابق ”فقه السنة” الذي نقل من فتاوى خطيرة منسوبة لكتب الفقهاء التي يأنف المسلم وغير المسلم بفطرة الله التي فطر الناس عليها أن يقبلها بل وتتناقض مع آيات الله عز وجل في القرآن الكريم تناقضا بينا لا لبس فيه.

8 : لو كان بالفعل هؤلاء الفقهاء مرجعية وحيدة يقف الإجتهاد عند فكرهم وردا على سؤال أحدهم : ماذا يمكن أن يتوصل إليه الباحث المتفكر المتدبر لم يصل إليه الأئمة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو دواد وابن ماجة ……؟

والجواب هو : كيف كان حال المسلمين منذ انتقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقبل ولادة هؤلاء ؟ كيف كان حال المسلمين قبل جمع البخاري ومسلم وغيرهما لأحاديث رسول الله وقبل الفقهاء المشهورين؟
هل كان المسلمون يعيشون في ضلال وضياع ؟
أليس على كل مخلص يرى تداعيات هذه الأحكام الفقهية الخطيرة التي تحلل قتل نفس بغير نفس وتوقف حد القصاص في حالات تستثنيها وتبيح زواج الرجل من ابنته إذا كانت هناك شبهة أنها ابنته من الزنا  ؟

بل ظاهرة الثأر الموجودة في جنوب مصر مثلا مبنية على تأويل خاطيء لكتاب الله فيبيح المرء قتل ثأري لبريء بمجرد أنه ينتسب لأحد تم اتهامه بجريمة قتل. فإذا قتل شخص ولد  أو أخ أو قريب لأحد الناس فيقوم الآخر بقتل ولده أو أخيه أو قريبه كقصاص لهذه الجريمة. وهؤلاء يعتقدون أن هذا ما أمر الله عز وجل به وأنه من الدين ومن القرآن ولم يقف مرة واحدة فقيه أو عالم ضد هذه الظاهرة بقوة بل تـُرك الحال كما هو عليه .

ثم هل تصحيح أخطاء جاءت في كتب السلف سواء مما كتبوه أو نسب إليهم يعتبر تصيدا ؟

9 : لقد قرأت في مقال أحد الأخوة ” لن يصل أي منا إلي معشار ما بلغه الشافعي رغم كل الإمكانيات المتاحة لنا ولم تتح له..كان الشافعي يسافر أياما ليسأل شيخا عن مسألة..ولكننا الآن نصل إلي المسألة بضغطة زر ونحن متكئون علي فراش وثير تحت جهاز لتكييف الهواء”

هذا النص في حد ذاته يناقض نفسه فأين الدليل العلمي بأنه لن يصل أحد إلى معشار ما بلغه الشافعي أو غيره ؟
هل نرفعه أو غيره للنبوة مثلا ؟
نرفعه فوق كل عقل مجتهد إلى قيام الساعة ؟
وهل هذا ينطبق على جعفر الصادق وأبي حنيفة ومالك وبن حنبل وغيرهم أم أن الشافعي كان الإنسان الوحيد الذي لن يصل أحد إلى ما بلغ إليه ؟
ثم التناقض بأننا الآن نصل بضغطة زر إلى المسائل وهو كان يسافر ليصل لمسألة واحدة. فمن المنطقي أننا أكثر تمكينا في هذا العصر, فكما ازدادت الفتن ازداد التمكين مصداقا لقول الله ”إن مع العسر يسرا”…ثم إذا كان هو الفقيه الملهم لماذا كان يسافر إلا لطلب العلم ممن هو أعلم منه أصلا ؟
ألم يتعلم ممن سبقوه أم كان جبريل عليه السلام يتنزل عليه بوحي من الله عز وجل لذلك لن يبلغ أحد مبلغه إلى قيام الساعة ؟
ثم ماذا يضمن لنا أن ما هو منسوب إليه هو من قوله بالفعل ؟

10 : في هذا العصر والزمان وانقسام المسلمين بسبب هذه البلبلة وكثرة الأكاذيب والتحريف إلى طوائف ومذاهب فلن يتوحدوا إلا إذا عضوا في أصل الشجرة واعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا وهذا الحبل هو كتاب الله وهو الكتاب الذي أجمع عليه كافة المسلمين بكل طوائفهم. وكذب من قال أن هناك إجماع دون آياته المحكمات, فلن يفلح من يدعون أنهم أهل السنة والجماعة وهم يتبعون الكثير من السنن المدسوسة وليسوا الجماعة الوحيدة. وكذلك لن يفلح من يدعون التشيع وهم من متبعوا البدع  والضلالات وكل حزب بما لديهم فرحون ويعتقدون أنهم الفرقة الناجية. فلا تقديس لسلف أو فقهاء أو مذاهب أو كتب بل التقديس مقصور على كتاب الله القرآن الكريم.

ندعو الله عز وجل أن يهدينا إلى الصراط المستقيم وأن يتقبل منا فهو أعلم بالنوايا فإذا أصبنا فإن شاء الله أجرا مضاعفا وإن اخطأنا فلنا أجر واحد بكرمه ومنه وعطاءه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وسلم أللهم آمين.

د. نزار اسماعيل

Advertisements

About Nizar Ismael

Nizar Ismael, FRCM, Dip RCM Composer of music, poet and writer

Posted on February 19, 2015, in Theories & Views – رؤى ونظريات. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: